logo
bnr
×

مسارات على خطى الأجداد

تكبير الخط

إعداد التقرير عبدالله بن مرهون العلوي

مسار: لملي، صدامه الدراوشة، الوقبة

مسار: لملي، صدامه الدراوشة، الوقبة
مسار جبلي متعرج تحضنه السلاسل الجبلية الشاهقة على طول جنباته، يشكل شريان حياة عند هطول الأمطار على تلك السلاسل الشاهقة. لينعم السكان بالخصب ووفرة المياه في معظم أفلاج وآبار البلدة.


مسار آخر نضيفه إلى قائمة مساراتنا المتنوعة (السياحية- التراثية- الرياضية) نعيش خلاله شغف التحدي والمغامرة.
نبدأ من وادي لملي ومع أول التفافة به يقابلك حيل يقف شامخا على ضفة الجبل ومطلا على المجرى مرحبا بسالكي المسار، الأمر الذي يدفعك برغبة الصعود والاطلاع على مساحته الكبيرة والتي تحوي ما يسمى بالعوابي مقسمة ومنظمة يمتلكها العديد من سكان البلدة وحال المشاهد لها يقول الفرد للجماعة والجماعة للفرد.
إنه حيل لملي الذي خلفه الآجداد ليظل شاهدا مع ساقيته الممتدة لمسافة تقارب ٢٠٠ م والمبنية من الحجارة والجص بنسق هندسي رائع يشهد على مهارة الإنسان العماني في تطويع مكونات الأرض ليخدم نفسه في وقت لم يكن لديه الإمكانيات الفنية والتقنية والعلمية مثل حاضرنا اليوم.


نشاهد ساقية الفلج وهي معلقة على جنب الوادي ليمر الماء من خلالها إلى الأرض المزروعة، ورغم عوامل البيئة المختلفة إلا أن هذه الساقية أبت إلا أن تظل شامخة متشبثة بالجبل كما تشبث العماني بهذه الأرض الطيبة منذ آلاف السنين.
نكمل مسيرنا لنستمتع بتفاصيل كل شبر من هذا المسار. توجد به العديد من الأشجار البرية المتنوعة والتي تتشابه في معظم الجبال والأودية بعمان، كذلك تواجد الحيوانات البرية وقطعان الماشية التي ترعى بكل هدوء وسكينة في السلاسل الجبلية المحيطة وتقطع المسار نزولا للبحث عن المياه لتشرب من بعض التجمعات المائية وصعودا للسلسة الأخرى. نشاهد مجموعة من النحالين وهم يجوبون السلاسل الجبلية بحثا عن خلايا النحل وعلى الرغم من ارتفاعها الشاهق إلا أنهم وبخبرتهم المتناقلة من الأجداد والآباء يستدلون وبكل أريحية على الأماكن التي تحضن هذه الخلايا وتسمى بالمعدن وهو الكهف الذي يكون مكان مناسب لخلايا النحل دون غيره من الكهوف العديدة بالجبال.


شغف التحدي والمغامرة لا ينقطع طوال المسار خاصة لمن يسلكه للمرة الاولى فهناك العديد من الافرع بطول المسار وسلوك أي فرع بالخطأ سيؤدي إلى تغيير المسار المنشود، فالانتباه والتركيز مطلب مهم لمواصلة السير لآخر مسار الوادي.
بنهاية الجزء الأول من المسار يظهر أمامك جبلا شامخا شاهقا الارتفاع لنبدأ معه رحلة التسلق والصعود إلى قمته الفاصلة بين الجزء الثاني من طريق مسارنا. تواجه في صعوده العديد من العقبات والتي تحتاج في بعضها للمساندة من المرافقين واستخدام الحبال. تبدأ هنا مع البعض رحلة الشد والجذب تدور في الذهن للاستسلام والاكتفاء بالجزء الأول من المسير، يناظر قمة الجبل تارة وتارة آخرى قاع الوادي فيأتي العون من المرافقين من خلال التشجيع والمساعدة وتغيير في مسار الصعود لتخفيف التعب والتحفيز ليصل إلى القمة. وهو مزهوا بعد العناء والجهد الذي بذله


ينطبق علينا قول الشاعر (ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر). لو لم نقف في أعلى القمة لن نتمكن من رؤية مناظر في غاية الروعة أنت تقف على قمة الجبل فرحا بالإنجاز الذي حققته بعد الصعود الشاق المتعب لتصل قمة الجبل فيحق لك النظر للجبال وأنت أعلى منها وبالنظر شرقا ترى وبكل وضوح أجزاء من بلدة الوقبة وبالنظر جنوبا تطل بناظريك على قرية بيحا وأجزاء من قرية وادي الحريم وكذلك شمالا تشاهد قرية الهشمة والهشيمة، وغربا تتراءى لك قرية حيل الخنابشة. تجلس مستريحا مستمتعا بنسمات الهواء الباردة.
يقطع حبل أفكارك قائد المسير منبها بالاكتفاء بهذه الدقائق القليلة والاستعداد للنزول، فالنزول للجهة الآخرى ليس بالسهل ونبدأ بالبحث عن الأماكن الآمنة والمناسبة للنزول. هاجس الخوف مع شغف المغامرة والتحدي تبدأ من جديد في أول خطوة نزول من القمة إلى مجرى وادي صدامه الدراوشة.
رغم الحذر والتريث مع كل خطوة إلا أن الجبل يأبى إلا أن يختبر مدى تركيزنا وحذرنا، يسقط الأول ويقف، ثم يتدحرج الثاني فيتماسك نفسه ويستعيد توازنه ليقف مواصلا النزول مع الاطمئنان عليه من زملائه، واختيار مسار أفضل للنزول.
هذه الأمور متوقعه وجزء من المغامرة والتحدي. يصل الجميع إلى بطن الوادي لمواصلة المشي بالمسار المرسوم جهة صدامه الدراوشة، وتقاسيمه التضاريسية تشبه الجزء الأول كأنهم توأم تفصلهم السلسلة الجبلية فقط.
يقابلنا أيضا حيل يسمى حيل أولاد مسعود صفاته تشبه حيل لملي الذي سبق وتحدثنا عنه في الجزء الأول من المسار.
نصل قرية صدامه الدراوشة ويستقبلنا قبيلها واقصد بالقبيل مكان يتجمع فيه الماء بالوادي يشق منه فلج لينقل الماء إلى المزارع ويسمى بالفلج الغيلي نقف للاستراحة والاغتسال ونستمتع لبضع دقائق بخرير الماء وزقزقة العصافير ونسمات الهواء الباردة ،ثم نكمل المسير بين جنبات قرية صدامه وارفة الظلال متنوعة الأشجار والمزروعات تفوح عليك روائح الياسمين مرحبة بنا لنكمل مسارنا بين المزارع والعوابي صعودا بجنب البيوت القديمة يرحب بنا ساكنوها للاستراحة وتناول القهوة فنشكرهم رغبة منا في مواصلة المسار مع التأكيد لهم بزيارتهم في أقرب فرصة.
نواصل ما تبقى من مسيرنا بين البيوت الجميلة الحديثة ولسان حالنا يقول وداعا طريق الآباء والأجداد وحقبته الجميلة مرحبا بالتطور والحداثة والعمران الجميل.
نصل في الختام إلى نقطة نهاية المسير والتي كانت قبل سويعات بدايته نحمل في ذاكرتنا جزء بسيط من حياة وكفاح الأجداد والآباء في تنقلهم اليومي في هذا المسار وما يشابهه من مسارات من أجل البحث عن لقمة العيش والرزق لنعيش بضع سويعات ما عايشوه سنوات طوال من حياتهم. نسأل الله الرحمة والمغفرة لمن توفي منهم وأن ينعم على من بقي على قيد الحياة بالصحة والعافية



No comment

write comment